الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

الامام الغزالي


تتعطر الأقلام حينما تتحدث عن علم كبير من أعلام الإسلام العظام , ومن أبرز هؤلاء الأعلام في تاريخنا المعاصر الشيخ محمد الغزالي , الذي كان نموذجًا فريدًا من العلماء المجددين الذين يحملون هموم الأمة والواعين بأبعاد الحرب المعلنة تاريخيًا ضد الإسلام وأمته وحضارته , فكان مدركًا لخطر الأمراض الداخلية التي تفترس الأمة حتى مثلت حياته مشروعًا فكريًا ومعركة فكرية امتدت لأكثر من خمسين عامًا وهو يخوض في غمار هموم الأمة وقضاياها.
الاسم: محمد الغزالي أحمد السقا
المولد: 22 سبتمبر 1917م – محافظة البحيرة – قرية نكلا العنب – مصر
الوفاه: 9 مارس 1996م – عن عمر يناهز 78 عاما
النشاط: مفكر وداعية إسلامي
سبب التسمية بالغزالي
كان الأب الصوفي شديد الحب للشيخ العالم أبو حامد الغزالي [محمد أحمد الغزالي]، وهنا يقع الكثيرون من المُثقفين والمُلتزمين الجُدد فإذا سمعوا محمد الغزالي ظنوا أن الحديث عن أبو حامد الغزالي أو العكس، ولكن المثير أن أصدقاء العائلة يقولون بأن تسمية الشيخ محمد الغزالي إقترنت بمنام رأه أباه فاستحوى منه التسمية. ولكن الشيخ محمد الغزالي يقول في هذا الشأن: “إن التسمية إقترنت بشخصي ولكنها لم تؤثر في تفكيري فأنا انتفع من تراث أبي حامد الغزالي صاحب تهافت الفلاسفة، كما انتفع من تراث خصمه ابن رشد صاحب تهافت التهافت”.
نشأة واعية ورعاية حانية
لم تنتهى العشرة أعوام الأولى من حياة ذلك الطفل حتى أتم حفظ القران الكريم. وكان يقول عن نفسه “كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته أثناء اعتقالي، فقد كان القرآن مؤنسا في تلك الوحدة الموحشة” وبعد الحفظ كانت الخطوة الثانية بإلحاقه بالمعهد الديني فكانت التضحية من الأب أن باع كل ما يملكه في القرية، ليستقر هو وعائلته في الإسنكدرية فاشترى سكنًا يأويهم ومكتبةً يقتاتون منها قوت يومهم، كل هذا حتى يتمكن الشيخ محمد الغزالي من الدراسة في الأزهر. كانت هذه المكتبة من أبرز المحطات التي أثّرت في حياة الشيخ محمد الغزالي، فيقول عن نفسه: “وطفولتي كانت عادية ليس فيها شيء مثير وإن كان يميزها حب القِراءة، فقد كنت أقرأ كل شيء ولم يكن هناك علم معين يغلب عليّ.. بل كنت أقرأ وأنا أتحرك، وأقرأ وأنا أتناول الطعام”.
لقاء مع الشيخ حسن البنا
كانت من عادات الشيخ ملازمة المسجد لمذاكرة الدروس، وذات يوم يدخل الإمام البنا يلقي على الناس موعظة، فيتأثر الشيخ محمد ويتعلق بالإمام البنّا ويوفقه الله في أن تتوثق العلاقة بينهما، فإستمر عمله مع الإمام في ميدان الكفاح الإسلامي حتى إسشهد. ويذكر الشيخ محمد الغزالي في هذا المضمار: “حسن البنا أستاذي الأول في ميادين كثيرة وكنت – وأنا طالب – أستمعُ إلى محاضراته في القرآن الكريم و أتأمل معه النظرات التي كان يرسلها وكنت أعود إلى بيتي فألخص ما استطعت فهمه من هذه المحاضرات”. ذات يوم، يكتبُ الشيخ محمد الغزالي مقالا ويرسله إلى مجلة الإخوان، فيُهمل المقال في البداية حتى يكتشفه المحرر الأستاذ صالح العشماوي فينشره كافتتاحية العدد ولما قرأه الإمام البنا كتب للغزالي رسالة ننقل منها: “هكذا يجب أن تكتبوا أيها الإخوان المسلمون. أكتب وروح القدس يؤيدك والله معك”.
أخلاق الفرسان والنبلاء
يصفه الشيخ يوسف القرضاوى فى كتابه الشيخ الغزالى كماعرفته فيقول: ”إن هذا الرجل يبغض الظلم والهوان لنفسه وللناس، ولا يحب أن يظلِم أو يُظلم، ولا أن يستخف بكرامة أحد، ولا يستخف بكرامته أحد، كما أنه لا يطيق العوج ولا الانحراف، وخصوصا إذا لُبس لبوس الاستقامة أو تستر بزى الدين، فهو الذى يقاتله سراً وعلانية، فإذا رأى ظلماً أو عوجاً – في رأي نفسه على الأقل – لم يستطع أن يغلق فمه أو أن يغمض قلمه بل صب عليه جام غضبه ولم يحفل بما يصيبه من شرر الصدام، ولكن يكمل هذا أن الشيخ لا يفجر فى خصومته، ولا يفترى على خصمه ولا يتمنى له السوء، وهو رضى الله عنه سريع الغضب سريع الفىء ولا يبالى أن يعترف بخطأه أمام الناس، فهو شجاع عندما يهاجم ما يعتقد انه خطأ، شجاع حينما يعترف أنه لم يحالفه الصواب فيما رآه
الغزالى والمشروع الفكرى الحضاري
كان الشيخ الغزالى أسداً مرابطاً على ثغور الفكر الإسلامى ، حتى مثلت حياته حلقة قوية من حلقات الفكر الإسلامى الراشد وسلسلة متواصلة من المعارك الفكرية فى سبيل نهضة العقل المسلم ”إن الجهد الأول المطلوب هو تحريك قافلة الإسلام التى توقفت فى وقت تقدمت حتى فيه عبيد البقر! وسوف تتلاشى التحديات التى تواجهنا يوم يعتنق المسلمون الإسلام: ويدخلون فيه أفواجا حكاماً وشعوباً “.
ففى مواجهة الاستبداد المالي والمظالم الاجتماعية خاض أول معاركه الفكرية فأصدر عدة مؤلفات كانت لبنه فى مشروعه الحضاري. الإسلام والاوضاع الاقتصادية – الإسلام والاوضاع الإشتراكية – الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين- الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر..
وقد قدم في هذه الملحمة فكرا تنافسياً ثورياً ” لقد رأيت بعد تجارب عدة أننى لا أستطيع أن أجد بين الطبقات البائسة الجو الملائم لغرس العقائد العظيمة، والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، إنه من العسير جدا أن تملأ قلب إنسان يالهدى إذا كانت معدته خالية، أو أن تكسوه بلباس التقوى إذا كانت معدته خاليه ولابد من التمهيد الاقتصادى الواسع والإصلاح العمراني الشامل إذا كنا مخلصين حقا فى محاربة المعاصي والرزائل والمعاصي بإسم الدين أو راغبين حقا فى هداية الناس لرب العالمين
المعركة ضد الجمود والحرفيّة النصوصيّة
فلئن كانت معركته الأولى مع الاستبداد الاقتصاديى والاجتماعيى فقد كانت معركته الثانية مع الجمود والحرفية النصوصية التى تغض من شأن ملكة العقل فتفل عزم المسلمين فى مواجهة التحديات المعاصرة وتكرّس التخلف الموروث وقد ألف فى هذا المضمار كتابين: دستور الوحدة الثقافية – السنّة النبويّة بين أهل الفقه وأهل الحديث ” إن بعض البله يتصور الأنبياء أبواقاً لأمين الوحي يرددون ما يلقيه إليهم فإذا انصرف عنهم هبطوا لمستوى الدهماء وخبا نورهم!! أيّ غفلة صغيرة فى هذا التصور”، ” لقد كان الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقون للأمة الذين أسلمت لهم زمامها عن رضا وطمانينة وقنع أهل الحديث بما يتناقلون من آثار .. فلا فقه بغير سنّة ولا سنّة بغير فقه والواقع أن كلا الفريقين يحتاج إلى الآخر
الذات الاسلاميّة والاستلاب التغريبي
ولعل هذا الميادين هو أغنى الميادين التى حظيت باهتمام الشيخ الغزالى وذلك بتقديم الغذاء الإسلامى الصالح لتلك الذات لتجديد العقل وتصفية الرؤيه وترقيق المشاعر وتزكية القلب فى ذلك التكامل الجميل الذى يعرفه الإسلام.
فألّف بذلك العديد من المؤلفات كان من أهمها: جدد حياتكـ – خلق المسلمعقيدة المسلم – التعصب والتسامح – فى موكب الدعوة فقه السيرة – ليس من الإسلامهذا ديننا – من معالم الحق – كيف نفهم الإسلام ونظرات فى القرآن – كيف نتعامل مع القرآن – نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم -… والعديد من المؤلفات الكثيرة الأخرى.
الاستبداد السياسي
كانت إحدى المعارك التي خاضها الشيخ الغزالى والتى مثلت معلماً بارزاً من معالم مشروعه الفكرى، معركته في مواجهة الاستبداد السياسي الذي حرم الأمة من ثمرات الشورى الإسلامية فأعجزها عن مواجهة تبعات رسالتها ومجابهة تحديات أعدائها فقدم في هذا الميدان عدة اصدارات كان منها: الإسلام والاستبداد السياسي – حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة.
قال عنه المفكر محمد عمارة
كان عطاء الشيخ الغزالي في القدوة مماثلا لعطائه في الفكر كما برىء مشروعه الفكري من الفصام بين العقل والقلب وامتزجت فيه الرؤية لمشكلات الأمة والإنسانية والماضي والحاضر والمستقبل جميعا”.
وفاة فى ميدان المعركة
لم تكن وفاة الشيخ الغزالي رحمه الله كغيرها من الميتات بل كانت صورة معبرة عن حياة حافلة بالمعارك فى خدمة هذا الدين، فقد لقي الشيخ ربه وهو في الميدان الذي قضى فيه عمره كله – حيث كان في مؤتمر للدعوة الإسلامية بالرياض، وأحتد النقاش في مسألة متعلقة بالعقيدة فانبرى الشيخ موضحًا ومعلمًا فأصيب بأزمة قلبية تُوفي على أثرها – رحمه الله- في (19 من شوال 1270هـ = 9 من مارس 1996م)، ودُفِن بالبقيع في المدينة المنورة رحم الله الشيخ رحمة واسعه وأسكنه فسيح جناته مع المقربين الأبرار.
من أقواله
1- إنّ ناساً كثيرين يحيون داخل فكرة ثابتة سيطرت عليهم دون بحث ’و نقاش والسجناء في أوهامهم ينظرون يميناً ويساراً فلا يرون إلا السدود التي احتبسوا فيها والأحوال التي عاشوا في ضيقها وجهلوا ما ورائها.
2- نحن لا نلوم الآخرين على انتهاز الفرص لخدمة ما يعتقدون، ولكنّا نلوم أنفسنا إذا تركنا فراغاً امتد فيه غيرنا ومن ترك باب داره مفتوحاً فلا يلومن اللصوص إذا سرقوا مدخراته.
3- ومن حق الأمم الكبرى – وهى أمم تحتقر الأميّة العلمية والصناعية – أن تنظر إلى دعاوي المسلمين وأفكارهم وقيمهم بريبي أو بسخرية ما دام المسلمين نماذج رديئة للتخلف الإنسانى.
4- ومن المألوف في تاريخ النهضات أن اليقظة العقلية والنفسية تسبق دائما النشاط السياسي والاجتماعي، أو أن هذا النشاط الفوار يكون وليد اليقظات المليئة بالحياة.
5- إنّ الرجل القوي يجب أن يدع أمر الناس جانِبًا، وأن يندفع بقواه الخاصة شاقًا طريقهُ إلى غايتهِ، واضِعًا في حِسابه أن النّاس عليهِ لا لهُ، وأنهم أعباء لا أعوان، وإذا نالهُ جرح أو مسه إعياء فليكتم آلمهُ عنهم ولا ينتظر خيرًا من بثهم أحزانهِ.


ليست هناك تعليقات: